السبت، 4 فبراير، 2012

أديب يركب حصان السياسة، أحمد الخميسي: واقعنا الثقافي فاسد

إبراهيم حمزة: موقع (الأدب العربي) يوم: 23 يوليو 2011م.
 ينتمي الكاتب أحمد الخميسي إلى أسرة، قدرها الوحيد أن تحترف الفن، بأشكاله كافة، 
وكأن الشاعر الراحل الكبير عبد الرحمن الخميسي قد انتقلت جيناته الفنية إلى الأبناء بلا تمييز، وكان قدر الخميسي الابن أن يكتب القصة القصيرة، حيث عمل في الصحافة المصرية، منذ عام ،1964 وفي العام ذاته نشرت قصصه القصيرة، وبعد ثلاث سنوات لفت يوسف إدريس الأنظار إلى موهبته الفنية .
 وخلال فترة دراسته في موسكو، حيث حصل على الدكتوراه في الأدب الروسي، عمل الخميسي مراسلا للإذاعة الإماراتية ما بين عام 1989 و،1998 وظل يكتب في معظم الصحف والدوريات العربية، وأصدر العديد من الكتب، مؤلفة ومترجمة: “الأحلام الطيور الكرنفال”، “قطعة ليل”، وترجم عن الروسية “معجم المصطلحات الأدبية” و”نجيب محفوظ في مرايا الاستشراق” وكتب “أسرار المباحثات العراقية  السوفيتية في أزمة الخليج و”موسكو تعرف الدموع” .
 في ظني أنك أخذت عشق القراءة، واحترام الذات من عبد الرحمن الخميسي، لكنك لم تأخذ عنه عنف لقائه بالحياة وعنفوانه، أشعر أنك تعيش هدوءًا بعيدا عن صخب الخميسي الأب بموهبته المتوحشة . . هل هذا صحيح؟
  أحياناً حين أفكر في ذلك أتذكر العبارة القائلة إن الطبيعة ترتاح في الأبناء . . لكن بالمرة أقول لك إن والدي لم يورثني حب القراءة، لكن وجود مكتبة في بيتنا هي التي خلقت ذلك الحب، لكنه أورثني خصائص نفسية أخرى: ما تسميه أنت احترام الذات، والشعور بالكرامة المقترن بالتواضع، والتعاطف مع الآخرين خاصة إن كانوا ضعفاء، والشعور بالحرية الباطنية أي ألا تمضي مرغما إلى أي خطوة ولو كانت شبرًا واحداً، وهذه الخصائص العقلية والنفسية تجد طريقها الخاص للتعبير عن نفسها، لكن ليس بذلك العنفوان الذي اتسمت به حياة والدي، ولا بذلك الاندفاع، وربما يعود السبب إلى أن والدي نشأ في الريف، واعتمد على نفسه حين هاجر إلى القاهرة، بينما نشأت أنا في أسرة متوسطة محاطة بسياج من التقاليد التي تحد من الاندفاع .
  أنت أديب يركب حصان السياسة، وسياسي يعشق الأدب . . وفي الحالين هناك عدم رضا، تركت مؤسسة الهلالي لتلقيها دعما، وغضبت من الجوائز الأدبية . . كيف ترى دور الأديب في العالم العربي؟
  ربما يجوز الفصل بين الأديب والسياسي، ولكنني أعتقد أن كل أديب هو سياسي بالضرورة، وأنظر إلى الأدباء الذين يبدون أبعد ما يكون عن السياسة مثل نجيب محفوظ، كان لديه مشروعه السياسي المتمثل في الليبرالية التي جسدها حزب الوفد بالنسبة له، ما من أديب إلا ولديه تصور سياسي للمجتمع وللعالم، لأن ذلك وثيق الصلة برؤيته الفلسفية للعالم . لكن البعض يظهر هذا الجانب والبعض الآخر يخفيه داخل إبداعه، أما عن التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية فإن موقفي منه معروف، ولي مقال في ذلك الصدد بعنوان، التمويل الأجنبي عمالة صريحة، وخطورة ذلك التمويل أنه يشتري شريحة كبيرة من المثقفين لمصلحة أفكار أمريكية و”إسرائيلية” لا أكثر، كما أنه دليل دامغ على انفصال النخبة عن المجتمع وأهله، فلو كان لتلك النخبة المتمولة علاقة بشعبها لاعتمدت على تمويل شعبي، أما عن دور الأديب في الوطن العربي، فإنه دور ضعيف بطبيعة الحال . الأدب لن يغير المجتمع، لكنه يسهم في خلق حالة شعورية وفكرية تساعد على التأهب للتغيير، وفي كل الحالات لا بد للأديب أن يكون صادقا ونزيها فيما يقوله وما يكتبه، صادقا حتى في أخطائه، من دون ذلك لا يوجد أدب ولا أديب .
 ترجمت قصة تشيكوف المبكرة “حكاية مهداة إلى ذبابة ما حمقاء تتباهى بعملها في الصحف” وكتبت قصة رشيقة بعنوان “أحب ساراماجو” والقصتان تسخران من الواقع الصحفي الثقافي . . كيف تراه أنت؟
  الواقع الثقافي لدينا يعتمد على بيع المعرفة والثقافة والروايات والإبداع، وكل ذلك سلعة قابلة للتقليد والتزوير والإخضاع للعلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة . الواقع الثقافي لدينا وأظنه كذلك في العالم كله فاسد إلى حد كبير، لأن إنتاجه الرئيسي قابل للتقليد، ومن ثم يدخل أشباه الكتاب وهم الأنشط في مجال العلاقات والمصالح، ويدخل أشباه المثقفين، وينطقون كأنما بلسانك . في العلم مثلاً، المسألة مختلفة . . إذا اكتشف أحمد زويل “ فيمتو ثانية” فإن أحدا لا يستطيع أن يقدم سلعة مشابهة أو اختراعا مشابها على أنه حقيقي، لكن في مجال اللغة والأدب والثقافة ثمة طائفة كبيرة من المقلدين الذين يخلقون مناخا فاسدا، ويشكلون فرقة كاملة من “محبي ساراماجو” الذين تقتصر صلتهم بالثقافة على كلمات عابرة . . وأظن أن فساد المناخ أمر طبيعي، لأن ذلك الفساد اختبار لقدرة الأدب الحقيقي على البقاء والصراع والفوز .
  القصة القصيرة لا يتربع على عرشها المصريون فقط، هكذا قال فاروق عبد القادر، هل تتابع الأدب في الخليج؟
  هناك أساتذة وكتاب قصة قصيرة في الخليج، وفي الجزائر وغيرهما، وقد قرأت قصة قصيرة مدهشة لكاتب جزائري اسمه عبد القادر حميدة، وقرأت لكاتبات كويتيات، وكتّاب من الإمارات، ومن سوريا أذكر منهم رباب هلال . . لا يدعي أحد أن المصريين هم الذين يتربعون على عرش القصة القصيرة، بل إن الأدق هو القول إن كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي يشكلون شبكة تتكامل وتغذي بإبداعها قلبها وأطرافها على نحو مشترك .
  منذ حصلت على الدكتوراه في الأدب الروسي عام 1992م وأنت تسعى لتعميق مجراه في نهر الإبداع المصري . . ترجمت “معجم المصطلحات الأدبية” و”كان بكاؤك في الحلم مريرا” و”قصص وقصائد للأطفال” إلخ . .ئما الخصوصية التي يتمتع بها الأدب الروسي في الوطن العربي؟
  الأدب الروسي ترك أثرا بالغا في مسيرة الأدب المصري على الأقل، إن لم يكن الأدب العربي عامة، ويذكر يحيى حقي أنه مع نشأة القصة القصيرة في مصر كانت هناك مجموعتان تتحلق كل منهما حول كاتب محدد، واحدة حول تشيخوف الروسي، والأخرى حول موباسان الفرنسي . . بعد ذلك بنحو سبعين عاما، حين سألوا نجيب محفوظ  وكانت قدرته على الإبصار والسمع والتذكر قد قلت عن الرواية التي ما زال يذكر أثرها في نفسه، أجابهم “الحرب والسلام” لليف تولستوي! نعمان عاشور كتب “الناس اللي تحت” متأثراً بمسرحية جوركي “الحضيض”، أما رواد القصة الأوائل الأخوان عيسى، وشحاتة عبيد، فقد كتب أحدهما مباشرة في إحدى قصصه يدعو المرأة المصرية لاحتذاء حذو زميلتها الروسية والمشاركة في ثورة 19 . كانت هناك مثلاً رسائل متبادلة بين الإمام محمد عبده، وليف تولستوي الذي ترجم إلى الروسية في كتاب منفصل بعض أحاديث الرسول “عليه الصلاة والسلام”، ولهذه الصلة العميقة أسباب تتعلق أولا بطبيعة التكوين الوجداني الروسي الشرقي، فقد عاش الروس منذ بدايات تاريخهم مع الإسلام، وكانت للتتار “خانات” على امتداد نهر الفولجا تحكم روسيا وتفرض على حكامها “معلوماً” سنوياً يدفعونه، كما أن روسيا محاطة تاريخياً بآسيا الوسطى والإسلام، هذا كله خلق في روسيا حالة “أورو  آسيوية”، أوروبية، آسيوية، ورسّخ الوجدان الشرقي في الإنسان والثقافة الروسية، لهذا يشعر القارئ العربي بأن الأدباء الروس قريبون إلى روحه ويتكلمون لغته .
  في مجموعتك القصصية الأخيرة “كناري” الصادرة في ديسمبر ،2010 لك قصص عدة تستشرف الثورة التي انفجرت بعد ذلك بشهر واحد في يناير ،2011 مثل “نظام جديد” و”بدلة”، و”انتظار”، ولك في المجموعة ذاتها قصتان عن القضية الفلسطينية هما: “بط أبيض صغير”، و”حصان أحمر” . . هل كنت تتوقع ثورة 25 يناير؟ وإلى أي مدى تعتبر القضية الفلسطينية قضية كل كاتب؟
 لم أكن أتوقع ما حدث في 25 يناير، لكن كان لدي شعور عميق باستحالة استمرار ذلك النظام، فكما يقول ابن خلدون “الظلم يؤذن بخراب العمران”، ولم يكن من الممكن مهما طال المدى أن تستمر الأوضاع السابقة التي أهين في ظلها الشعب المصري إهانة بالغة على مستوى كرامته الوطنية والاقتصادية والعلمية . ومع ذلك، فلم أكن أتوقع ما جرى في يناير، لقد كان مفاجأة لي وللكثيرين .
 أما عن القضية الفلسطينية فقد كتبت بعد ذلك أيضا قصة بعنوان: “الحب والفولاذ” عن شاب مصري يعبر من نفق إلى غزة ليرى حبيبته الفلسطينية فتقصف الطائرات النفق ويموت بداخله . الهم الفلسطيني هو هم مصري وعربي . ولن يتحرر إنسان عربي طالما بقيت فلسطين محتلة . وإذا كانت أمريكا تتصرف على أنه طالما كانت الحرية مهددة في بقعة ما فإن ذلك يمثل تهديداً لأمريكا، فلماذا لا نتصرف على أن خنق الحرية في فلسطين تهديد لنا ولحريتنا؟ نحن لا نمنّ على فلسطين بتبني نضالها، لأنه من دون تحررها سنظل نحن مستعبدين بالكيان الصهيوني النووي .
  لماذا تكتب القصة القصيرة تحديداً؟
  الكتابة بالنسبة لي عمل مرهق جدا . أحيانا أكتب القصة القصيرة عشرين مرة . ولدي ملفات بهذا العدد كلها إعادة صياغة للعمل نفسه، بل إنني أعيد صياغة القصص حتى بعد نشرها  . لهذا لم أجرؤ على اقتحام عالم سردي أكبر من القصة القصيرة، كالرواية مثلاً . وتتوزع في القصص بين ما هو ساخر، وما هو شاعري، وسبب ذلك هو انشطارات الروح، التي يطل منها أحيانا جانب ساخر، وأحيانا جانب حزين، ومع ذلك ثمة قسمات مشتركة في كل تلك القصص، على الأقل: الإيجاز الشديد .
  لم ترتبط بأية مؤسسة حكومية ثقافية، ولم ترتبط بعمل في الجامعة: ما الفارق مادياً بين الكاتب العربي، والكاتب في أوروبا وأمريكا وروسيا؟
  لم تدعني أية مؤسسة حكومية ثقافية للارتباط بها، أما العمل في الجامعة فكان أكثر صعوبة بكثير، إذ لا بد من موافقة جهات عديدة لكي يستأمنوك على عقول الطلاب! بالنسبة للكتّاب في الغرب ومعيشتهم فأعتقد أن هناك مبالغة أحياناً في تصوير حياتهم على أنها نعيم، لأنني أعرف حالات جاع فيها الكتّاب في الغرب طويلاً إلى أن أثبتوا قدرتهم، فأصبحوا قادرين على العيش بفضل عائدات الأدب . المشكلة أن الأديب عندنا سواء أثبت قدرته أو لم يفعل، فإنه في كل الحالات يكتب مجاناً فعلياً، ولا يمكنه الاعتماد على عمله الأدبي كمصدر للدخل، وقد نشرت نحو اثني عشر كتاباً في مصر لم أتقاض عنها شيئاً، الكاتب العربي لا يعيش مما يكتبه .
 هل شعرت بدور ما فاعل ومؤثر للمثقف العربي في الثورات العربية؟
   بالتأكيد كان للمثقف العربي دوره في الثورات العربية، ولكن الحديث هنا يدور عن الكتّاب الذين واجهوا الأنظمة القمعية طويلاً قبل الثورة، أقصد الكتّاب الثوريين، وليس الكتّاب الفوريين الذين ما إن بزغت الثورة حتى راحوا يكتبون ويكتبون عن عيوب النظام السابق وحسنات الثورة! يقولون الآن ما كان ينبغي قوله حينذاك . لكن من دون شك كان للكاتب العربي دوره في تحريك الوعي وتأجيج الشعور بالكرامة، والأسماء كثيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق