الخميس، 9 نوفمبر، 2017

العبر التي تحتفي بالمبتدإ لا بالخبر

العبرة الأولى:
هذه الصفحات التي تنفتح أمامي، لا تحتاج إلى كلمات بقدر ما تحتاج إلى لحظات تأمل، فبقدر ما اتسعت مساحات البوح بقدر ما ضاقت، من ضيقها يا ترى؟ ومن وقف في كل زاوية من زواياها جدارا يحجب الشمس؟ إنهم المتلصصون الذين لا هم لهم إلا استراق السمع كي يظفروا بصيد جديد.. فوفاضهم خاو.. وصخبهم يملأ الأرجاء.. ولحظات التأمل هي التي تمكن من يريد التعرف عليهم.. ففيها الهدوء الكاشف.. وفيها الصمت المضيء..

الثلاثاء، 22 أبريل، 2014

كان يطيل عمره بالحكايات



إنه الحزن يا سيدي ذلك الذي غشاني ليلة قرأت نبأ نقلك للمستشفى في حالة غيبوبة، احترت من أمري يا (غابو) وفكرت في شفاء لحزني، بحثت داخلي فلم أجد بلسما غير الرجوع لرواياتك التي بحوزتي فأعيد قراءتها، كنت كأنني أرثيك بطريقة من يتشبث بك، كنت ترفع الكِتابة في وجه البياض، وتطيل عمرك بالحكايات، كما كانت تفعل جدة الرواية (شهرزاد)، لكنني اليوم لم أستطع إكمال قراءة رواية (حكاية موت معلن) فتركت سنتياغو نصار يواجه مصيره، ومضيت إلى عين جفت مآقيها من الأحزان المتتالية أبحث داخلها عن بقايا دمعة أذرفها على رحيل جاء يأخذك هناك.. أنت الذي قلت (لو أن لي قليلا من الوقت لكنت كتبت بعضا مني على الجليد وانتظرت شروق الشمس) عبارة أخذتها منك وزينت بها ممر مجموعتي القصصية (رغبة صغيرة)، فبعد العتبات تأتي الممرات، وتأتي الشمس التي تذيب الجليد، وها قد خرجت يا سيدي للنهار، فاكتب ما شئت منك على الجليد، ونم هانئا تحت شمس، ستظل مشرقة ما دامت رواياتك تصنع البهجة والمتعة في نفوس الناس، في مختلف نواحي الأرض..
هل لي أن أعترف أنني تلمست روعتك بعيدا عن (مائة عام من العزلة)، تلمستها حينما غفوت في ذلك اليوم البعيد أقرأ قصتك المميزة (قيلولة يوم الثلاثاء)، غفوتي حملتني إلى رؤياي الوحيدة التي رأيتك فيها، يومها كنت مريضا، داؤك السرطان الليمفاوي، وأدخلت المستشفى، فأخبرتك في المنام أنك ستشفى لو كتبت رواية جديدة، وبالفعل كان، فقرأ العالم رواية حب جديدة، حاولت فيها تجاوز وطأة (الحب في زمن الكوليرا)، وسحر (غانياتي الحزينات)، وإخبارنا كلنا أن القلب لا يشيخ إلا إذا فقد القدرة على الحب، هذه اللوعة سبق لدوستوفسكي أن جربها قبلك، وسماها اسما يليق بها هو (الجحيم).. هل لي أن أستسمحك، أنا قارئك البعيد الذي لا تعرفه، كهل مغمور لا يثير أي انتباه، منطو على ذاته، منكفئ على أحلامه، مقاوم لموته بكتابة حكايات سرعان ما يمل منها فيمزقها، أو يداويها بالنار، كنت ذات يوم مسكونا بأحلام مشوبة بالغرور، فعلمتني سيرتك التواضع، التواضع أمام البسطاء، والاستحمام بشمسهم الاستثنائية، شمسهم التي تداوي كل داء، فقط يلزمك التواضع وقليل من الصمت.. "لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة وأستلقي على الأرض، ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً". هل لي أن أستسمحك لأخبرك أنك فعلا -كما قلت في وصيتك الأخيرة- قد برهنت "للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق" وأنك قبل أن تكتب كلمتك الأخيرة كنت قد "أعطيت للطفل الأجنحة وتركته يتعلم التحليق وحده" وعلمتنا أن "الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان".
هل لي أن أستسمحك، لأخبرك أن الرغبة في قراءة رواياتك، وخاصة سيرتك الذاتية (Vivir para contarla) كانت السبب الرئيس في حملي على الشروع في تعلم لغتك التي تكتب بها، الإسبانية الأمريكو لاتينية وتوابلها الحريفة.
في الأخير وقبل أن أترك عند قبرك بضع فراشات صفراء ترفرف حوله بأجنحتها الصغيرة، أخبرك أن كونديرا فضح السر حين أخبرنا بلغة فرنسية حزينة أن "الذكرى شكل للنسيان". ها أنا أعود لقصتك (يوم من تلك الأيام) لأستعيد روحك حية، روحا تغلبت على سطوة الموت، روحا ستبني عشها الجديد بين كلماتك بعيدا عن جسدك، ها أنا قد كتبت، وواجهت بالكلمات حزن الفقد، وفجيعة الموت المعلن.

نشرت في يومية النصر الجزائرية يوم: 22 أفريل 2014

الخميس، 1 أغسطس، 2013

لوح جدي


أبحث عنها، أستعمل كل الوسائل، الممكنة والمستحيلة، هوس البحث يملئني، أريد أن التقيها، أبحث في قوقل، اكتب اسمها الذي رايته في المنام، كان جدي قد كتبه في لوح، وقال لي: اقرأ، قلت: ماذا أقرأ؟ قال: اسم زوجتك، انتبهت كان صوت المؤذن يكاد يصمني (حي على الصلاة)، أقوم متثاقلا، محوقلا، اتوضا، وأمضي باتجاه المسجد، بابه الشمالي مقابل لبيت جدي- رحمه الله-، أدلف الباب ذاكرا، مستغفرا، اصلي، الشاب الذي يصلي بنا في مكان الإمام، ينتمي لمجموعة دينية معروفة، أتساءل بيني وبين نفسي: اين الإمام؟ يطيل الشاب القراءة، يترنم، يمد، يتمطى، أنشغل عنه باستعادتي للرؤيا، أقول في نفسي، ما دام جدي قد أشار بها علي، إذن هي موجودة، لكن من اي بلد هي؟ من أية قبيلة؟ ما لغتها؟ اسمها تتقاسمه لغات عدة، اتمنى أن تكون عربية، ننصرف من الصلاة، أخرج من الباب، أنظر في باب بيت جدي، هو خاو منذ غادره، أحسه واقفا، يردد على مسمعي اسمها، أشير بحركة تدل على أنني حفظت الاسم، إنه معروف جدا، متداول، سهل، رنان، حتى أن كاتبي المفضل العقاد كتب عنه رواية كاملة، أعود إلى قوقل، والفيس بوك، واليوتب، وتويتر، والجرائد الصفراء، وأركان التعارف، هن كثيرات، ولكنني لم أجد تلك التي كتبها جدي في اللوح.

ظل الباب

الباب موارب.. حفيف وقع اقدام، يدنو.. ما زلت لم أكمل، أنا في الصفحة ثمانين، اضع ورقة نقدية بين طيات الكتاب، علامة على الصفحة ودليلا للرجوع، أقوم على مهل، يعوي السرير، أدخل قدمي اليمنى في فردة النعل المطاطي، لا أدخل اليسرى، أرمي بعيني هناك، في ظل فتحة الباب والجدار، قدمي تحاور القدم التي بدأت تطل من الفتحة، اشم عطرا جذاب...ا، إنها امرأة، ذوقها رفيع، الرائحة تفضح دائما، أمد يدي على مقبض الباب، أسحبه نحوي، الفتحة تتسع، الضوء ينتشر اكثر، أنظر في وجهها، جماله تخفيه المساحيق، تقول:
بيت المعلم؟
نعم
أود أن تجيئني مساء، لتقدم دروسا لابني..
مات أبوه منذ عام، فأهمل دراسته، هل تود مساعدتي..
أهز رأسي، وأمسك ورقة مكتوب عليها بخط أنثوي عنوان البيت

الأربعاء، 27 فبراير، 2013

كأنك لا تفهم

أنت الذي تحضر في مواقع الثرثرة، وتغيب في فضاءات الإفضاء، تختزن داخلك عنفا وصخبا، ولا تملك طريقة مناسبة للتنفيس، أنى لك ذلك وأنت بعيد عن عوالم الكتابة، عن الموسيقى، عن الفن، عن السينما، عن قراءة الروايات، فأنت رجل نسي دواءه، والأسلوب الصحيح للصراخ..

الجمعة، 30 مارس، 2012

لم يحدث شيء..

على حافة نهاية الشغف، أجدني مجبرا على التشبث بخيط أمل ضئيل، فأن يموت داخلك حبك للكتابة، معناه نهايتك، ونهاية رحلة الشغف، التي لم تكن متألقة مثلما حلمت بها في البدايات، حينما كنت تحلم بمستقبل مشرق ككاتب، لكن الأن أجد أنه علي الاستفاقة من الوهم، فاليأس الذي صار عنوانا يوميا لكل لحظاتي..
عمر من الخيبات، وانتظار أن يحدث شيء ما، يغير كل شيء، ويمكنك من الدنو من تحقيق أحلامك في الكتابة، لكن لاشيء يحدث، أكتب الصفحات والصفحات وأمزقها، كلنني لا أفلح في كتابة قصتي التي حلمت بها، أو الرواية التي تخيلتها.. لم يحدث شيء، سوى ركام من الفشل والخيبات، ها أنا أعترف، فلا داعي للتنقيب في أوراقي للبحث عن اسباب الفشل.. لأنكم لن تعثروا على شيء..

الاثنين، 26 مارس، 2012

لا أحد يتذكر الراحلين..

مرارة الخيبة تجتاحني كلما  تذكرت مواقف بعينها، حدثت معي قديما، حينما كنت شابا وجميلا، (واقصد بالجمال هنا جمال الجرأة وعنفوان الرغبة في اكتشاف العالم والطموح المستمر )، كنت أكتب لإحدى اليوميات الجزائرية (البائدة)، مقالا خميسيا (اي كل خميس) أعرف من خلاله بكتاب مهم، وشخصية أدبية لامعة، وطبعا كان عملي مجانيا، أحتاج له (حسب رؤية رئيس التحرير للتعريف باسمي)، وأحتاج له (حسب رؤيتي لأتنفس ولو تحت الماء)، لكن ذات خميس كتبت شيئا مختلفا أملاه علي إحساسي بألم الكتاب، كتاب كانوا حينها يموتون أمام أعيننا دون أن نملك شيئا نساعدهم به (سوى كلمة اسبوعية) مفادها: إنهم يموتون في صمت افعلوا شيئا رجاء..
لكن ندائي كان كالجمرة المتقدة التي سقطت في دلو ماء، بل في بئر سحيق، سمعت خرخشة انطفائها حينما لامست الماء، نظرت فلم أر سوى الظلمة، وأفقت على موت من كتبت عنهم ( وليس موت من أحبوني عنوان مجموعة الشاعرة علية عبدالسلام)، نعم.. فقدنا الروائية مليكة مستظرف، وفقدنا نعمات البحيري القاصة المميزة.. وفقدنا.. وفقدنا.. وذهبوا كلهم في صمت، يومها لذت أنا بصمت عجيب.. وذقت مرارة الخيبة، وطعم البؤس.. واليوم ما أزال أتجرع ذلك وحيدا، وفي صمت ايضا، بعد أن رأيت أنه لا جدوى من الكتابة، سوى تعميق الجراح.. فلا أحد يتذكر الراحلين..